ابن قتيبة الدينوري
45
الإمامة والسياسة ( بيروت )
كل واحد منهم العهد والميثاق : لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب اللَّه وسنة رسوله ، وسنة صاحبيك من قبلك ، فأعطاه كل واحد منهم العهد والميثاق على ذلك ، وأيضا لئن بايعت غيرك لترضين ولتسلمن ، وليكونن سيفك معي على من أبى فأعطوه ذلك من عهودهم ومواثيقهم ، فلما تم ذلك أخذ بيد عثمان ، فقال له : عليك عهد اللَّه وميثاقه لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب اللَّه وسنة رسوله وسنة صاحبيك ، وشرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس ، فقال عثمان : نعم . ثم أخذ بيد علي ، فقال له : أبايعك على شرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ، فقال علي عند ذلك : ما لك ولهذا إذا قطعتها في عنقي ؟ فإن علي الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها ، كان في بني هاشم أو غيرهم ، قال عبد الرحمن : لا واللَّه حتى تعطيني هذا الشرط ، قال علي : واللَّه لا أعطيكه أبدا ، فتركه ، فقاموا من عنده ، فخرج عبد الرحمن إلى المسجد ، فجمع الناس ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : إني نظرت في أمر الناس ، فلم أرهم يعدلون بعثمان ، فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك ، فإنه السيف لا غير . ثم أخذ بيد عثمان فبايعه وبايع الناس جميعا ، 48 قال : فكان عثمان رضي اللَّه عنه ست سنين في ولايته ، وهو أحب إلى الناس من عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه . وكان عمر رجلا شديدا قد ضيق على قريش أنفاسها ، لم ينل أحد معه من الدنيا شيئا إعظاما له وإجلالا ، وتأسيا به واقتداء ، فلما وليهم عثمان ولى رجل لين . قال الحسن البصري : شهدت عثمان وهو يخطب وأنا يومئذ قد راهقت الحلم ، فما رأيت قط ذكرا ولا أنثى أصبح وجها ولا أحسن نضرة منه . فسمعته يقول : أيها الناس ، اغدوا على أعطياتكم فيأخذونها وافية ، أيها الناس اغدوا على كسوتكم ، فيغدون فيجاء بالحلل فتقسم بينهم ، حتى واللَّه سمعت أذناي : يا معشر المسلمين اغدوا على السمن والعسل فيغدون فيقسم بينهم السمن والعسل ، ثم يقول : يا معشر المسلمين اغدوا على الطيب ، فيغدون فيقسم بينهم الطيب من المسك والعنبر وغيره ، والعدوان واللَّه منفي ، والأعطيات دارّة والخير كثير ، وما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا ، من لقي في أي البلدان فهو أخوه وأليفه ، وناصره ومؤدبه فلم يزل المال متوفرا ، حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا ، وبيع الفرس بعشرة آلاف دينار وبيع البعير بألف ، والنخلة الواحدة بألف .